annaf

في حضرة سيدي شمهروش ملك الجن بقرية ” تيسينت “ضواحي إقليم ” طاطا “

تحقيق : أنير الأزوادي لأناف

ما يزال البعض يعتقد بجدوى الاحتكام إلى الجن لحل ما يعانون منه من مشكلات، وفي المغرب يوجد في عمق جبل باني المطل على قرية ” تيسينت ” مقام لملك من ملوك الجن يتوافد عليه من ينشدون سماع حكمه.

نقطة الانطلاق، سارتأنير السيارة تطوي مسافة تزيد عن الخمسين كيلومترا نحو وجهتنا في عمق جبال باني. منطقة ” تيسينت ” التي تبعد عن عمالة ” طاطا ” حوالي 70 كلم ، قرية صغيرة تعيش في سكينة مريبة في كنف سفح جبل باني الشهير، وهنا تنتهي علاقتنا بوسائل النقل الحديثة، لتتسلم صهوة البغال دفة القيادة في اتجاه مقام “شمهروش”. صارت البغال تتوغل في المسالك الوعرة للجبل، وبين الفينة والأخرى نلتقي أفواجا من الرجال والنساء والشباب صاعدين إلى قمة الجبل أو عائدين إلى ديارهم، وكلما تقدمنا في الطريق صار الجو بارد بالرغم من اعتداله في السفح. وبعد حوالي ساعة من السير صعودا نحو مقام شمهروش، صارت السحب تعانق الجبل، وأضحت الرؤية صعبة بعض الشيء.

 

زوار مقام ملك الجن يتوجهون إلى هناك على ظهور البغال ساعتان من الزمن انقضتا، ومن بعيد تلوح بضع بيوت متواضعة تحوم حول قبة قبور صغيرة منهارة وخضراء، وغرفة صغيرة بجانبها، إنه ” سيدي شمهروش”. صرنا نقترب شيئا فشيئا من هدفنا، وبين الفينة والأخرى يمر سرب من الغربان التي يعتقد ساكنة المنطقة أنها مسكونة “بالأرواح الشريرة”. منظر المكان يخلق إحساسا بالرهبة، صخور مبعثرة هنا وهناك، وصمت مطبق لا يكسره سوى صوت نهر صغير يخترق تلك الجلاميد.

“شمهروش” رئيس أعلى محكمة للجن يقول أحد القيمين على ضريح “سيدي شمهروش”، “نحن نتبرك من هذا المقام لأنه مقدس، وهنا توجد أكبر محكمة للجن”. أناس كثر يتحلقون حول المكان، جلهم نساء، منهم من افترش الأرض ومنهم من جلس إلى طاولات مهترئة بالمقهى الوحيد بالمكان، وبين الفينة والأخرى تطلق الغربان التي تحوم بالمكان أصواتا تنقبض لها الأوصال. ويعتقد زائرو المقام أن “سيدي شمهروش” وهو ملك ملوك الجن بحسب الموروث الشعبي المغربي، يبث في القضايا العالقة بين الإنس والجن. ويضيف الحاج أحمد:

“سيدي شمهروش جن حي وليس بالميت، وكما أن هناك محكمة للإنس، فهناك محكمة للجن”.

إحدى المغارات حول مقام سيدي شمهروش ويسبغ القيمون على “مقام شمهروش” قدسية كبيرة عليه، بحيث يمنع على غير المسلمين الاقتراب من المكان، وهكذا يجد الكثير من السياح الأجانب، الذين دفعهم الفضول لاكتشاف المكان، أنفسهم أمام يافطة كتبت بالعربية والفرنسية، “للمسلمين فقط”. ويقول الحاج أحمد الذي يسهر على السير العادي للمكان، بأن هذا المقام يعرف نزول سبعة ملوك من الجن المؤمنين الذي يعبدون الله، وكل يوم هو مخصص لواحد فيهم”. قرب قبة “شمهروش” مذبح تكسوه آثار دماء حديثة، في هذا المكان تذبح القرابين التي يأتي بها الزائرون للملك “شمهروش” ليفصل بينهم وبين الجني الذي “يسكنهم”. إلا أنه حينما لا تجدي الطقوس الاحتفالية ولا تلك القرابين في تهدئة الجان وإخراجه من “مساكنه الآدمية” فإن الحل الوحيد حسب الحاج أحمد هو “عقد محاكمة للجن”. حول مقام “سيدي شمهروش” تحلقت مغارات صغيرة اتخذت لون السواد بسبب دخان الشموع التي توقد فيها من قبل رواد المكان، ويسود الاعتقاد بأن إنارة الشموع هناك طقس من طقوس الزيارة ينعكس إيجابا على حياة الفرد وينيرها. مقام “شمهروش” الذي ملأ الدنيا بأسطورته ليس قصرا كبيرا ولا صرحا عاليا، هو فقط صخرة كبيرة وبضع جدران تلتقي معها لتشكل ما يشبه البيت. جدران المكان مكسوة بصور عليها آيات قرآنية وأدعية، وتحت الصخرة الكبيرة يوجد ما يشبه القبر مغطى بثوب أخضر ومحاطا بشموع بعضها مضاء وأخرى خف وهجها. يقول سيدي عبد الله أحد القيمين على المقام: “بمجرد دخول الشخص المصاب بمس من الجن إلى هنا، مشيرا إلى مقام شمهروش، يصاب بالصرع ويسقط أرضا ويصبح الجني الذي “يسكنه” هو من يتكلم بلسانه”. وحسب سكان المنطقة فإن محاكمة الجن تصحبها طقوس وأجواء استثنائية، فكلما جرت أطوار محاكمة يصحبها رعد وبرق حتى وإن كانت درجة الحرارة تتجاوز 45 درجة مئوية. خرافة تتغذى على الجهل في زمننا هذا لا يبدو لمثل تلك المعتقدات المشابهة لمحاكم الجن محل من الإعراب، إلا أنها راسخة عند بعض الفئات وتبقى أمورا مسلما بها، ولا يجوز بأي حال من الأحوال التشكيك في صدقيتها، خوفا من أن يجر ذلك عليهم لعنة أو سخطا يقلب حياتهم رأسا على عقب.

بقلم أنير الأزوادي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .