annaf

بولعود : نقطة نظام حول إعفاء “بنكيران .

رشيد بولعود

ما كنت سأتحدث لولا أن قال بنكيران ﻷنصاره ” ألزموا الصمت ” فكان لا بد علينا الكلام إذن كي لا نكون ضمن مريدي وأتباع زاوية ” البيجيدي ” وفي البداية نود أن نشكر جزيلا “السيد بن كيران ” كونه أول رئيس حكومة جعل على اﻷقل مجموعة واسعة من المغاربة يناقشون السياسة والبرلمان وأصبحوا يعرفون أخنوش والعماري والهمة والماجدي ومزوار وبوريطة وشباط والتراب والدويري وبنخضراء وساجد والراضي واالباكوري وماء العينين و أحزاب جديدة كاالداخلية واﻷوقاف …

وخرج لنا كوميديون وفكاهيون يقلدون خرجاته الخطابية وتصريحاته بلكنته الرباطية الموريسكية العفوية التي جعلت كل متعاطفي حزبه والمنتسبين للحركة اﻹسلامية يصفقون له مباشرة ولو لم يقل شيئا، بل وحتى إن كان يسبهم أحيانا ويضعهم في موضع سخرية كما هو الشأن ﻷهالي سوس وبالريف شمال المغرب وظلت هذه المناطق رغم كل هذا ضمن خارطة حزبه بعد إنتخابات 07 أكتوبر الجاري وتعد من عحائب وغرائب اﻹقتراع اﻷخير بالمغرب ، ونلقي له كلمة شكر ﻷنه يختلف تماما عن سابقيه من الوزراء اﻷولون الذين أحيانا ينسى المغاربة أسمائهم إلى غاية اﻹنتخابات التشريعية الموالية كعباس الفاسي واليوسفي وجطو وأسماء أخرى تحتاج لذكرها إلى أرشيف أو مرجع كتابي يؤرخ للذين تعاقبوا على تجربة حكومات التناوب بأحزابها وبرلماناتها المتعاقبة إلى غاية 2011م ، وقبل هذا العام لا يعرف المغاربة إلا أسماء وزراء الذاخلية فقط كالبصري ومساعده اﻷمني الشرقي الضريس ، كما أن تجربة بنكيران تركت للعامة مصطلحات التماسيح والعفاريت واﻷشباح كان ينافس فيها فقهاء الرقية والشعودة والسحرة والحيوانات ، وأنعش بها اﻹعلام المغربي النائم الذي أصبح يتابع عن كتب خرجات الحكومة والنواب والمستشارين والوزراء كقضية وزيرة “جوج فرانك ” أفيلال وفضائح وزيرة الصحة اﻹستقلالية ” ياسمينة بادو ” وصاحبة صفقة استيراد أزبال إطاليا وأخرى كثيرة لم نعد نتذكرها وكانت حينها فضائح الوزارات والوزراء والعاملين بها لا تنتهي واحدة حتى تأتي أخرى أكبر منها بكثير فتنسينا عن سابقاتها .
ومن وجهة نظر أخرى فبنكيران فتح المجتمع السياسي المغربي على مصراعيه وصار أكثر احتقانا بين أقطاب تتناطح فيها المصالح والمرجعيات والحسابات السياسية ويقل فيها حضور اﻷيديولوجيا ، ويصعب فهم الملعب السياسي بالمغرب ﻷنه لا تحكمه قواعد أو قوانين ثابتة كما أننا نجهل ماضيه السياسي منذ أن تم حجز جميع الدراسات ومراكز اﻷبحاث المتخصصة في مجال السياسة والسلطة بالمغرب ابتداءا من ثمانينيات القرن الماضي فتركت فراغا معرفيا لﻷجيال الموالية ، ونقول الملعب السياسي ﻷنه تماما كالملاعب المغربية بجمهورها النادر الجارف الذي خدع ” جون واتر بوري ” أيام سنوات الرصاص حينما كان بصدد دراسة إمارة المؤمنين والملكية واﻷحزاب والنخبة السياسية المغربية فهاتف زوجته وظنها ثورة شعبية وخاب ظنه بعد ذالك ، وهنا لا بد من اﻹشارة كون موضوع السياسة بالمغرب يقترن عند العامة كمواضيع الحشيش والمخذرات والممنوعات وما إن تذكر مصطلح السياسة حتى ينفر منك الناس كما لو أنك قلت كلاما فاحشا أو لقالوا لك على أقل تقدير ” حنا أخويا مابغيناش مشاكيل ، الصداع ، الحبس …”

وفعلا فالسياسة بالمغرب تندرج ضمن هذه التصنيفات ، لذالك نحن ممتنون كثيرا لبنكيران كونه جعل السياسة موضوع العامة وتعد قفزة نوعية في تاريخ الوعي السياسي بالمغرب وهذا هو اﻹنجاز الوحيد في رصيد بنكيران الحكومي.
ويمكن أن نشير من خلال نتائج ما يقول عنه الساسة اليوم ب”البلوكاج الحكومي ” أنه فعلا بلوكاج سياسي مرفوقا ببراجات اﻷحزاب اﻷمنية “barrages policiers ” التي تتصارع حول المناصب والمال واﻷعمال واﻷوراش الكبرى وكان حزب البيجيدي هو اﻵخر يدنوا على بطنه فقط في هذا اﻹتجاه وتناسا فيها رئيس الحكومة قضايا الوطن والمواطنين ، كما أن اﻹعفاء الملكي لبنكيران في تشكيل الحكومة هو نتاج لمجموعة من التصادمات بين المؤسسة الملكية واﻹسلاميين الجذريين الغير المؤتمنين ذاخل الذراع السياسي لحركة التوحيد واﻹصلاح، فخيانة بنكيران وأنصاره لشباب حركة 20 فبراير ومطالبهم تعد رسالة سياسية فهم المخزن العميق مضمونها السياسي كون ” الذئاب الملتحية ” تخون العهود وليست موضع ثقة ، كما أنها تحرجه وتنافسه في تمثيلية اﻹسلام السياسي ” إمارة المؤمنين ” وهو التصادم حول شرعية توظيف الدين وهذا ما يفسر أن تحكم اﻹمارة قبضتها على وزارة اﻷوقاف والشؤون اﻹسلامية ولاحظوا مؤخرا أن المخزن الديني يسير نحو اتجاه إعادة إحياء الزوايا واﻷضرحة ومواسم اﻷولياء الصالحين ، وفي مقام سياسي آخر ظلت الدولة العميقة تسيطر على المؤسسات الحساسة والوزارات اﻹستراتيجية كالذاخلية والخارجية وحتى المؤسسة اﻷمنية وكلها رهن إشارة خذام الدولة تحت أرضية خذمة المصالح العليا للمخزن السياسي واﻹقتصادي والديني والذين يجيدون إتقانها فحتى إبعاد اﻹسلامي سعد الدين العثماني من وزارة الخارجية كان يرتبط بنشاطاته السياسية المذهبية العابرة للقارات باﻹخوان المسلمين و” تركيا اﻹخوان ” وقطر وهو ما شكل إنزعاجا سيايا كبيرا للمخزن الباطني بمصالحه الخارجية خصوصا حلفائه بالخليج وأوروبا وقد أضر في هذا الصدد بنكيران بعلاقات الدولة العميقة في سياستها الخارجية بروسيا أثناء تناوله لﻷزمة السورية وبأمريكا و الرئيس اﻷمريكي ” دونالد ترامب ” فرئيس الحكومة حينها لسانه طويل وسليط، ونعتقد أنه كذالك ذاخليا لم يكن يهم اﻹسلاميين إلا حزبهم والمنتسبين له من اﻷتباع وهذا ما نفهم كلام بنكيران أحيانا للمواطنين ب ” اﻹخوة واﻷخوات ” ونقول هذا الكلام ﻷنه كان يمارس تمييز واضح بين المغاربة في العديد من القضايا ، ونعتقد في هذا الباب أنه لو توفرت كل الظروف الذاتية والموضوعية لﻹسلاميين ﻷفصحوا بكل جرأة عن مشروعهم السياسي فلا يهمهم سوى غاية السلطة والحكم ، فشعار محاربة الفساد كانت تفهمه أغلبية المنتسبين للحركة اﻹسلامية بالمغرب على كون المقصود به هو محاربة أقدم مهنة في التاريخ ” الدعارة ” ، لذلك كان نشاطهم السياسي الدعوي يصب كثيرا في هذا اﻹتجاه ويقلبون صفحات كتب عدد الجلد والرجم بالحجارة ، ولاحظوا أنه حتى أيام حركة 20 فبراير كان لﻹسلاميين فهمهم الخاص للفساد فقال لنا أحدهم أيامها ” الحل الوحيد في محاربة الفساد هي العفة وغض البصر ” ، وربما هذا ما يفسر عدم إثارة بنكيران لملفات حساسة كانت من بين أولويات مطالب 20 فبراير كملف التقسيم العادل للثروة والفوسفاط والمعادن والثروة السمكية وأعالي البحار واﻷراضي ومجانية التعليم ومحاسبة ناهبي المال العام وسماسرة الملفات والصفقات الخارجية العابرة للقارات تحت كنف ملف الصحراء وأسطوانة اﻹستثناء المغربي وأمور أخرى كثيرة لكن السيد بنكيران لم يصب توجهه السياسي في هذا اﻹتجاه ولﻷسف ضيع للمغاربة فرصة تحقيق العدالة اﻹجتماعية والقطع مع الريع والفساد بمفهومه السياسي الصحيح وكي لا نظلمه فله إنجاز يعد ضمن اﻷوراش الكبرى التي لم يتفوق فيها أحد من قبله من فقهاء السياسة الذين يتلونها سرا كتلاوة التحيات والزكيات بل إن بنكيران بصداعه ونرفزاته أخرج لنا قضايا السياسة التي كانت إلى عهد قريب لا تتجاوز جدران البرلمان والمؤسسات السياسية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .