annaf
أحمد الذغرني
أحمد الذغرني

الذغرني: الريف من مولاي موحند الى محسن فكري

نسعى في هذه المقالة إلى توسيع نظرة بعض المغاربة الذين يتكلمون عن الريف، أو يكتبون عنه، وهم لم يدرسوا قضية الريف وأصولها السياسية العميقة، وخاصة بعض المنتسبين إلى مهنة الصحافة، ويكتبون مقالات سطحية تجعلهم يشبهون ما يسميه شباب المغرب الحالي “العياشة”، وليست لديهم معطيات التاريخ، ولا وقائع الحياة اليومية التي يعيشها كل المجتمع الريفي اليوم، ومنهم من يعمل على تشويهها…

إن أصل ما نراه في الريف اليوم يرجع إلى سنوات قديمة نرى من الضروري الرجوع إليها لكي لا تضيع علينا رؤوس الخيوط السياسية التي تحرك الريف اليوم، وفي عصور تاريخية قديمة.

ويمكن لمن يريد توسيع معرفته بعمق التاريخ أن يرجع مثلا الى انبثاق دولة المرينيين من الريف، وقيام هذه الدولة بإسقاط دولة الموحدين المنبثقة من سوس (نواحي تارودانت).

ولذلك يمكن للشباب اليوم أن ينتبهوا الى شيئين هامين: أن دولة بني مرين دولة ريفية، ومؤسسوها قاموا بثورة عارمة، وأسقطوا امبراطورية الموحدين، وكلا الدولتين الموحدية والمرينية وحد ت شمال إفريقيا، وقضت فترة زمنية في الحكم وسقطت، ولذلك فإن قيام الحكم وسقوطه شيء عاد في تاريخ المغرب وشمال إفريقيا القديم والحديث.

وذكرنا هذين المثالين كنموذج، ولا ننسى قيام إمارةً النكور التي قامت على ضفاف وادي النكور ، وبلاد النكور(Nkor ouNchor) هو الاسم الجغرافي القديم لمنطقة الحسيمة التي يعرفها الناس اليوم، ومنها ايمزورن، وبوكيدال وتاماسينت …..وهذه الأمارة القديمة هدمها جيش دولة المرابطين التي انبثقت من بلاد شنقيط وهو الاسم القديم لدولة موريتانيا الحالية.

ولا ننسى أيضا إمارة أو دولة غيساسة التي قامت بسهل الريف وتشمل مناطق بن الطيب والدريوش وربما حتى الناضور. ولها آثار مدينة اغساسن Ighsasn أو اخصاصن، وقبائل وعائلات تفرقت بعد سقوطها، ومنها قبلية غيساسة، وقبيلة لخصاص المقيمة بسوس حاليا(تشكل جزءا من ولاية كلميم).

أشرنا الى هذه الأوضاع السياسية لنستخلص أن المنطقة التي تسمى الآن الريف، لديها إمارات ودوّل قديمة وحضارات، ويهمنا أن نعرفها بتفصيل بالرجوع إلى التاريخ القديم والحديث، وهو تاريخ تعرض لكثير من الطمس والتزوير، ولكنه ينبعث من عمق نفوس الشباب ويمثل لاشعور سكان المنطقة ولا يمكن إخفاؤه بأسلحة القوة، ولا بمقالات وأخبار صحافة التضليل….. ولا بتقارير المخابرات، ولا بمكائد المخزن.

لم نكن نحتاج إلى الرجوع إلى عصور قديمة تحتاج الى دًراسات لا يتسع لها هذا المقال، ولذلك اخترنا أن نحصر الموضوع مابين سنوات1917-2016 وعنوانه من مولاي موحند إلى محسن فكري.

ونبدأ من محمد بن عبد الكريم الخطابي الذي قاد الريفيين في الحرب ضد الدول الأوربية الاستعمارية بعد توقيع سلاطين العلويين اتفاقية الحماية الفرنسية والإسبانية سنة 1912، وكانت نية القبائل الريفية واضحة، وهي التي خاضت الحرب من تلقاء نفسها بدون وجود سلطان ، وكانوا يحتاجون الى رئيس الحرب، وأخذ هذا الرجل مبادرة القيادة الحربية، وانتصر الجيش الريفي نهائيا في معركة أنوال التي لم تكن بموافقة سلاطين فاس ولا بمشاركتهم سنة 1921.

وكانت تلك هي المبادرة السياسية الأولى التي انتهت بالانتصار في الحرب، وذلك بعد تقديم أرواح وخسائر مادية دونتها كتب ووثائق هذه الحرب التي اشتهرت باسم حرب الريف ويدرسها العالم بأسره.

وبعد معركة أنوال أصبح اليفيون أمام اختيارين: إما أن يتفرق الناس وينصرفوا إلى حياتهم اليومية ويتركوا الفراغ الحربي والسياسي ليملأه الأعداء كما هو عادة بعض الأمازيغ، أو أن يحولوا الانتصار الحربي إلى مشروع سياسي، وهنا برزت المبادرة الثانية لمحمد بن عبد الكريم الخطابي، وهي أن يتقدم إلى المنتصرين في الحرب بمشروع الجمهورية الريفية، وهو مشروع جديد في ذلك الوقت، كان من عبقرية ذلك الزعيم، وهو الذي ميزه في تاريخ شمال إفريقيا لأنه ملأ الفراغ السياسي الخطير الذي تركه توقيع الحماية سنة 1912 ليحكم الأجانب جنوب البحر الأبيض المتوسط بعد مرور زمن طويل على طرد الفينيقيين والرومان والوندال والأمويين والعباسيين والأدارسة وغيرهم…

ولذلك فإن ذاكرة الناس حول محمد بن عبد الكريم ليست سحرية ولا خرافية بل هي ذاكرة ترتبط بمشروع سياسي كبير يجد المعارضون له صعوبة ومشقة مستمرة في محوه ونسيانه، لأن مرور عشرات السنين أثبت أنه لا ينسي وأصبح واقعا ملموسا لا مناص منه.

وبعد طحن محسن فكري بالحسيمة سنة 2016 بدأ شباب الريف يراجع ذاكرته، وبدأ كل من يهمه أمر البلد يفكر تفكيرا عميقا في شؤن الريف، وظهر من جديد النقاش حول الوحدة والتجزئة، والرموز والرايات، والثقافة والحضارة، واللغة، والدين، والمخزن…، كما بدأت الحرائق والعنف والمحاكمات والسجون تظهر…..

ولهذا أرى أن المرحلة التاريخية تتطلب مبادرات جديدة، وزعامات جديدة ومفكرين جدد…ولذلك تم من جديد سد الفراغ السياسي بخلق زعامات شابة أشهرها ناصر الزفزافي وأعضاء لجنة الحراك… ومشكلة خلق هذه الزعامات في سوس والجنوب الشرقي وتافيلالت والصحراء هو معضلة العجز السياسي الذي يعاني منه الشعب..

ومهمة مفكري زمننا والمسؤولين من مختلف الأنواع هي أن يدركوا أن عناصر وحدة البلد تجددت بتبني الراية الأمازيغية إلى جانب راية جمهورية الريف، وبالتضامن والالتفاف حول روح محسن فكري، وخلق زعامات شابة في المنفى وداخل الريف، أبطلت زعامات المخزن وأحزابه المصطنعة، وبدلت مفهوم الحوار السياسي بين المخزن والريف، وسحبت المبادرة من يد النخب التي اغتنت من أموال الشعب المغربي وتجارة التهريب والمخدرات ومناصب الحكم …وانسحبت من الريف لتسكن الأحياء المخصصة للطبقة الثرية في الرباط والدار البيضاء ومراكش وغيرها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .