annaf
بوشطارت
بوشطارت

بوشطارت: نهاية الأمازيغ

لسنا بصدد بلورة نظرية جديدة،؛ ولن نكون في مستوى فوكوياما حتى نقتفي أثره ونجهز على ارثه المعرفي والتنظيري حين بلور فكرة بسيطة ارتقت إلى مراتب الأفكار الكبرى التي وسمت الفكر الإنساني والتراكم الحضاري في العالم، حين كتب نظريته المشهورة “نهاية التاريخ”.

ولكن؛ حين نتأمل السيرورة التاريخية لشمال افريقيا وادخلنا الأمازيغ إلى المختبر التاريخي، وفق منهجية العالم والمؤرخ عبدالرحمان ابن خلدون، سنصل؛ أو ربما يظهر لنا ذلك؛ إلى أن الأمازيغ انتهوا منذ زمن بعيد، وسنحاول في هذه الإطلالة السريعة والمختصرة، التلميح إلى أصول انكسار الأمازيغ، تلميح فقط في أفق ترسيخ النقاش، ان ظهرت لكم فائدة من ذلك.

يقول ابن خلدون في مطلع الفصل الثالث من الجزء الثاني، الذي سماه: في ذكر ما كان لهذا الجيل قديما وحديثا من الفضائل الإنسانية والخصائص البشرية الراقية بهم إلى مراقي العز ومعارج السلطان والملك. (يقصد الأمازيغ الذي يسميهم البربر )…

يقول؛: “قد ذكرنا ما كان من أمر هذا الجيل من البربر ووفور عدده وكثرة قباءلهم وأجيالهم، وما سواه من مغالبة الملوك ومزاحمة الدول عدة آلاف من السنين من لدن حروبهم….وما تشهد أخباره كلها بأنه جيل عزيز على الأيام وأنهم قوم مرهوب جانبهم شديد بأسهم كثير جمعهم، مظاهرون لامم العالم وأجياله من العرب والفرس ويونان والروم”.انتهى كلام ابن خلدون.

واضح من لغة هذه الفقرة التي ادرجناها باختصار، ان ابن خلدون يتكلم بصدق عن مفاخر وقوة جيل الأمازيغ الذي فرض نفسه أمام شعوب واقوام معاصرة له آلاف السنين وهو يقصد عصر الازدهار والحضارة المشعة التي كانت للامازيغ في شمال افريقيا، في المرحلة السابقة للاسلام والمرحلة التي بعدها إلى حدود عصره، اي إلى فترة حكم المرينيين.

فقد ذكر في هذا المدخل كل مقاومات الشعب الأمازيغي ضد القوى التي كانت تستهدفه بما فيها مقاومة الملكة تيهيا واكسيل ضد العرب. اذن هو يصف هذا الجيل بذكر فضاءله وخصائصه الراقية بالامازبغ إلى مراقي العز ومعارج السلطان والملك..وهذا يتجسد في فكر ابن خلدون في العصبية الامازيغية التي كانت أسس ومنطلق المشروعية السياسية لتأسيس الدولة. وهو يشرح ببالغ من الدقة والتركيز الإمبراطوريات الامازيغية الثلاثة الكبرى خلال العصر الوسيط..

ولكن قصد ابن خلدون من وراء هذا الحديث كله، إنما يصبو في اتجاه وضع الإصبع على مكمن الخطر…الخلل..حيث تنبأ إلى التغيير الذي حصل في التاريخ. حيث فقد الأمازيغ البوصلة تدريجيا وتدحرجوا حتى أصابهم الضعف والوهن. يقول ابن خلدون “ولما أصابهم الفناء وتلاشت عصابتهم بما حصل لهم من ترف الملك والدول التي تكررت فيهم، قلت جموعهم وفنيت عصابتهم وعشاءرهم وأصبحوا خولا للدول وعبيدا للجباية، واستكنف كثير من الناس عن النسب فيهم لأجل ذلك…” انتهى كلام المؤرخ صاحب العبر.

هكذا يرسم لنا ابن خلدون عالم اجتماع ومبدع نظرية” العمران” اللوحة كما يشاهدها وعاشها خلال العصر المريني. هو ينقل لنا بدايات الانكسار التاريخي للامازيغ، وقد اخترت لكم هذا النص، لأنه يعبر عن كل شيء، كيف كانوا وكيف ولوا؟ وذلك من خلال: 1- تلاشي العصبية بسبب ترف الملك 2- قلت الجموع والعدد، 3- أصبح الأمازيغ عبيدا للجباية 4 -وهي نتيجة ما سبق، وهي الأخطر تخلص الأمازيغ من هويتهم والانتساب للاخر.

بالنظر إلى تحليل السياق التاريخي الذي عاش فيه ابن خلدون، لابد من استحضار أحداث ووقائع كان لها الوقع الأكبر في تغيير مجرى التاريخ، وتفسر كلام ابن خلدون، اولا وقوع الطاعون الأسود في بلاد المغرب سنة 1348، وهو الأخطر من نوعه وما تسبب فيه من هلاك عدد كبير من الوفيات وخاصة في صفوف الأمازيغ، حيث تراجع عدد السكان بشكل مهول واندرست العديد من المدن، واستمر تأثيره السلبي على أوضاع البلاد اقتصاديا واجتماعيا لمدة طويلة..

ثانيا بدايات استقرار البدو العرب في المغرب وانتقالهم بين المناطق وسيطرتهم على السهول والمناطق الحيوية(ما يفسر كلام ابن خلدون بقلة عدد وجموع الامازيغ )، مما أدى إلى نشوب الصراعات والمزيد من الحروب البينية وقلة الأمن وبالتالي تعطلت الأنشطة البشرية التي يسميها ابن خلدون بالعمران، وهذا كله أدى إلى تأزيم مؤسسة الدولة التي تسير وتعيش بالمداخيل الجباءية نتيجة انعدام القوة المنتجة، مما يفضي إلى تواري الدولة بمعظم مناطق المغرب.

هكذا لم تأت أية دولة بعد الدولة المرينية من نفس الحجم والقوة…جاء الوطاسيون سنة 1465 ولم يحكموا كثيرا وضعفت دولتهم بسرعة كبيرة…تلاها تحول سياسي حقيقي تجلى في انتقال حكم البلاد على التوالي إلى أسرتين “عربيتين” تنتسبان إلى آل البيت، وتحولت المشروعية من العصبية الامازيغية إلى الانتماء للنسب الشريف، وذلك بدخول دولة أشراف السعديين إلى مراكش سنة 1525.. واستيلاء البرتغال على عدد من المدن الساحلية المغربية…واستيلاء الأتراك العثمانيين على الجزائر سنة 1518 وعلى تونس بعدها…

وتحول بلاد المغرب الذي يسميه ابن خلدون وآخرون “بلاد البربر” من زمن الامراطوريات الامازيغية الى زمن التجزؤ والدويلات الصغيرة، وفقد الأمازيغ مواطن شاسعة جدا على مجموع أراضي وطنهم شمال افريقيا، واضحوا يمارسون الانتجاع في المناطق الجبلية الخلفية، وتركوا السهول الفسيحة والغنية للبدو والسواحل للقوى الاروبية الصاعدة على إثر تدفق الكارافيلا وتنامي قوة السفن والاسطول البحري الأوربي. ..

إلى هنا يكون تنبأ ابن خلدون صحيحا لأنه انبنى على معطيات دقيقة..وخطاطة اجتماعية محكمة..تراجع عدد الجموع الامازيغية وانخفاض عدد سكانهم، تلاشي وفقدان العصبية….التنسل من النسب للامازيغ والتهافت على النسب العربي..يعني : نهاية الأمازيغ. الصدمة التي ترجمت إلى السفر الروحي الأمازيغي الطويل بزعامة القطب الإمام سيدنا محمد بن سليمان الجزولي الذي ظهر في ذلك الزمان.

ع.بوشطارت

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .