annaf

بوشطارت : سوس : الغضب الصامت

جاء في إحصاء الحليمي الأخير سنة 20144، بالرغم من الشك الهيكلي الذي يجب الأخذ بعينه في قراءة نتائج هذا الاحصاء. من بين ما جاء فيه هو ان نسبة 75% من مجموع الذين يتكلمون الامازيغية في المغرب، هم من سوس، اي تكلمون تاسوسيت..لا حاجة إلى المزيد من الشرح بكون مناطق سوس الشاسعة تشكل قوة بشرية واجتماعية هائلة جدا في المجتمع المغربي، وتمتاز بخصائص كثيرة، أهمها سيطرة السوسيون على التجارة بالتقسيط في جميع مدن المغرب، واحتكارها لهذه الحرفة منذ عهد الاستعمارات في بداية القرن العشرين، الأمر الذي جعل هذه الفئات المهاجرة إلى المدن الكبرى تفرز نوعا من البورجوازية التجارية وطبقة من رجال المال والأعمال الذين تبحروا في التجارة وانتقلوا إلى ميادين أخرى كالصناعة والنسيج والبناء والعقار…إلخ ( للمزيد انظر دراسة لروبير مونطاني حول ظهور البروليتارية بالمغرب ).
لنأخذ السؤال الأخير الذي انتهى به السوسيولوجي الفرنسي صاحب المجلد الضخم “الامازيغ والمخزن في الاطلس الكبير الغربي وسوس”، كتابه، وهو هل سيحافظ هؤلاء السوسيون المستقرون بالدار البيضاء على لغتهم وثقافتهم وهويتهم.(نترك السؤال مفتوحا أمام الطلبة الباحثين في علم الاجتماع والانثروبولوجيا واشكاليات الهجرة ).
نعود ونلفث الانتباه إلى التمثل الشعبي الموجود لدى المغاربة هو ان السوسيين عندهوم الفلوس، اوكا خيدمو بالمعقول ..وهي الماركة السياسية التي التقطها الميلياردير أخنوش الدعاية لحزبه بصيغة أغراس أغراس. ..صحيح أن بعض من أبناء سوس من أجيال الهجرة الاضطرارية إلى المدن الكبرى راكموا ثروات كبيرة ..ولكن هذا لا يمكن ان يخفي حقائق صادمة ومؤلمة عن الواقع المعيش الذي تعاني منه ساكنة بوادي سوس…فقر وتهميش وعزلة، بل وحكرة حيث تستغل طيبوبة الفقراء الذي راكموا ما يكفي من القهر والاستبداد في عيشهم وراء الجبال وفي سفوحها محرومين من فرص التعليم والارتقاء…وتستغل السلطة ذالك السلوك الفطري الذي يميل إلى السكون وقبول الأمر الواقع لغرس جذور التسلط والتحكم والخضوع…
سوس جهة غنية، تزخر بثروات نفيسة ومتنوعة فلاحية بحرية ومعدنية وبشرية…لا شك في ذلك. ولكن الخطير ان هذه الجهة تتعرض لأبشع أشكال الاستغلال والنزيف ومحرومة من جميع الفرص وشروط العيش الكريم…اكثر من ذلك فمنطقتها الفلاحية تتعرض لزحف وضغط بشري رهيب يفكك الخصوصية الثقافية والهوياتية لسوس…وينتج مشاكل اجتماعية معقدة لا حلول لها…
إذا كانت خريطة الفقر موزعة في كل مناطق المغرب، فإن ما يتعرض له سوس غير منصف وغير مقبول نظرا لحجم الثروات والخيرات التي يزخر بها وهو ما تؤكده النسب المسجلة في مساهمة سوس في إنتاج الوطني…ومن يسافر عبر الطريق الوطنية او على طريق السيار من أكادير نحو البيضاء سيعاين بام عينه أنواع الشاحنات محملة بكل أنواع الخضر والفواكه وما على شاكلتها من خيرات سوس…وفي المقابل لا ترى الا حافلات وسيارات خفيفة تنزل إلى سوس لأغراض مختلفة….
مالذي قدمته الدولة في استثماراتها لسوس. ..في اكادير وتارودانت وحاحا وتزنيت وكلميم وطاطا وتافراوت…تالوين وبيزكارن وافني وايداوتانان وماسة وايت باها واشتوكن واغرم ولاخصاص وانزي. …انظروا ماذا يوجد هناك…الأرض تنتج وتقاوم تقلبات المناخ …اما الإنسان ان أراد البحث عن شغل او فرصة تعليم او خدمة صحية فعليه الرحيل والهجرة…
مؤخرا تم تدشين معمل السيارات في بوزنيقة وكان قبله في قنيطرة …اما طنجة فهي قطب صناعة السيارات في افريقيا …في سوس الصناعة تنعدم انعداما كليا لأسباب مجهولة بالرغم من وجود مؤهلات وشروط الاستقطاب والاستثمار والترويج والتصدير…سيقول أحدهم أننا نكذب، ولكن نعرف ما يوجد في أحياء الصناعية في تاسيلا وايت مللول وانزا. ..معامل السردين ولا نشوبا أغلبها قديم ومهترىء…او بعض وحدات تلفيف ماطيشة والليمون…هذا كل ما يوجد فأغلب الثروات يتم تصديرها….
سوس يعاني من أزمة الصناعة…وبدون وجود توجه صناعي وثورة في هذا النوع لا يمكن الحديث عن استثمار الدولة او عن الإقلاع. ….لازال البعض يروج للتنمية البشرية عبر تعاونيات وجمعيات محاربة الأمية. ..ويتناسون إعطاء بديل حقيقي لأزمة بطالة الشباب والنساء…ومواكبة تطورات ومستجدات التشغيل…..
هذه الحكرة والاستغلال المكثف الذي يتم الإفراط فيه بمناطق سوس…يوازيه صمت غريب من قبل المجتمع، يفسره البعض بالخوف نتيجة سيطرة المخزن وتحكمه في منابع الدينامية داخل المجتمع…و يفسره البعض الاخر بامتدادات الاحزاب السياسية والنقابات التي دجنت نفسها ودجنت المجتمع وتوجه المجتمع المدني إلى الاشتغال في التنمية والمصالح الشخصية….وكيف ما كانت التفسيرات الا ان المؤكد هو وجود شعور داخلي لدى كل أبناء سوس الأغنياء والفقراء بالحكرة والتمييز…على شكل غضب صامت..
قلق غير معبر عنه…إلى حين.
ع.بوشطارت.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .