annaf

الثورة الريفية المغربية الأمازيغية: هذيان الانفصال عبر وسائل الاتصال

مبارك بلقاسم

Wwet aɣyuř xef uřum ad yettu imendi

“اِضرب الحمار على التبن لينسى الشعير”

مثل أمازيغي– (مغزاه: اِمنع الأشياء التافهة عن العبد حتى لا يطمع في الأشياء الفاخرة).

 

كلما حدثتثورة شعبية قوية إلا وتخرج ضدها أصواتمستنكرة أو متشككة. فكل الثورات التي حدثت في التاريخ جوبهت بثورات مضادة وأصوات مضادة وحملات مضادة عنفية أو كلامية أو دعائية أو انتقادية. وانتقاد الثورة الشعبية ليس بالضرورة شرا أو تواطؤا مع الوضع القائم، ولكن محاولة إملاء ما يجب أن تقوله أو لا تقوله الثورة يشي بمحاولة تحكم وركوب. من يريد أن يغير مسار ثورة شعبية فعليه أولا أن ينضم إليها ويشارك فيها. أما التعليمات الخارجية والإملاءات الفوقية فلا تأبه بهذا الثورات بل قد تكون سببا في مزيد من العناد الثوري، وهذا ما لاحظناه فعلا في الثورة الريفية الحالية.

في أي بلد من البلدان، تكون الأصوات والحركات المضادة أو المنتقدة للثورة الشعبية صادرة عادة من عدة جهات وأشخاص، منهم: الدولة وموظفوها، مثقفون وسياسيون تابعون للدولة، ومثقفون وسياسيون مستقلون، أصحاب مصالح اقتصادية، وغيرهم. وتتبع الأصوات والحركات المضادة للثورة الشعبية عادة خمس مراحل:

– الإنكار (إنكار وجود ثورة شعبية، والقول بأنها مجرد فوضى أو شغب)،

– الاستنكار (استنكار إصرار الشعب على الثورة والمظاهرات)،

– التخوين (اتهام الثوار أو بعضهم بخيانة الوطن أو بجريمة معينة كالانفصال أو التخابر مع دول أجنبية أو التخريب أو إثارة البلبلة والفتنة)،

– التقسيم (تقسيم الثورة إلى “شرفاء صالحين” و”مندسين مشبوهين”، وتقديم دروس الوعظ والإرشاد للشعب حول خطر هؤلاء “المندسين المشبوهين” على “مغربنا الحبيب” وعلى “ريفنا الحبيب”)،

– المساومة (مساومة الثوارفي مطالبهم والتفاوض معهم أو اقتراح صفقة عليهم).

1) ظاهرة الإنشاد الجماعي لنغمة “المطالب الاقتصادية والاجتماعية” (الخبزية) ومحاولة نفي الصفة السياسية عن ثورة الريف: عقلية سد الذرائع

ظهرت نغمة جماعية عجيبة يرددها منذ بضعة أسابيع عدد كبير من المعلقين الصحفيين والسياسيين يحاولون بها نفي صفة “السياسة” عن الثورة الريفية وحصرها في “حراك بمطالب اقتصادية واجتماعية”، وكأن “السياسة” جريمة أو شبهة خطيرة. يردد هؤلاء الكتاب والمعلقونلازمة “المطالب الاقتصادية والاجتماعية” بتكرار عجيب في محاولة لتطمين أنفسهم أو غيرهمبأن “حراك الريف لا علاقة له بالسياسة ولا تشوبه شبهة السياسة”. هناك رغبة جامحة لدى هؤلاء المعلقين في نفي صفة السياسة عن الثورة الريفية، وهذا يخفي رغبة لديهم في تقزيم هذه الثورة أوالتهوين من شأنها: “راهوم غير باغيين السبيطار والخدما ما عندهومش معا السياسا”. ما هي السياسة؟ أليست السياسة تدبيرا للخبز والدواء وضمانا للحريات والحقوق؟

في سياق تخوين الثورة الريفية تم الترويج لبعبع الانفصال. وهكذا تم ترويج فكرة أن “المطالب السياسية” تعني حصريا: الانفصال.فجأة لم يعد أحد يتذكر أن “المطالب السياسية” تعني في المقام الأول: الدمقرطة (حكم الشعب)، تعديل الدستور، محاسبة الحكام، الحكم المحلي. هذا الانتقال أو الانزياح (the shift) العجيب في تفسير عبارة “المطالب السياسية” وحصرها في معنى “الانفصال” جعل كثيرين من المعلقين السياسيين يهرولونإلى نفي الطابع السياسي برمته عن ثورة الريف، وذلك في محاولة لنفي بعبع الانفصال أو لاستخدام بعبع الانفصال لتقزيم الحجم السياسي لهذه الثورة.

المغاربة وعامة الأمازيغ يمارسون هذا النوع من سلوك “سد الذرائع” منذ زمن طويل، أي: إنكار ما يؤدي إلى الشيء من أجل إنكار الشيء. وهو موقف على منوال: “يجب إنكار الحريات الدينية لأن الحريات الدينية تؤدي إلى جرأة الناس على الردة عن الإسلام”. أو على منوال: “يجب تجنب الحديث عن العلمانية لأن من يتحدثون حول العلمانية تحوم حولهم شبهة الإلحاد والكفر بالإسلام”. وأيضا: “يجب تجنب مناقشة الأمور العقائدية والفلسفية لأنها تجلب الشك إلى النفس وتفتن الناس في دينهم”.أو: “الباب الذي يأتيك منه الريح أغلقه فتستريح”. وسيرا على نهج هذه العقلية المترسخة في الثقافة المغربية والأمازيغية تفتقت عبقرية هؤلاء المعلقين عن فكرة أن أفضل سبيل لنفي النزعة الانفصالية عن الثورة الريفية هو إنكار وجود أي طابع سياسي للثورة، ومحاولة إقناع الناس أنها مجرد مطالب اجتماعية واقتصادية، أي:خبزية.

المغاربة وعامة الأمازيغ يطبقون دائما”مبدأ سد الذرائع” وهو طريقة تفكير آتية من المذهب الإسلامي المالكي تنهى الإنسان عن التفكير والخوض في الأمور المثيرةللجدل، بل وتنهاه عن مجرد ذكرها بالاسم، حتى لا يسقط في المحرمات أو الكفر.وتأمره بتجنب الخوضفي الشبهات لتفادي السقوط في المعاصي والكفريات والشركيات. ولا يخفى على أحد حجم الضرر الذي ألحقته وما زالت تلحقه هذه العقلية الظلامية بالناس لأنها تشلهم عن التفكير الحر والفلسفي والمنطقي وتقطع عليهم طرق البحث والتحليل والشك وتؤدي بهم إلى ممارسة الرقابة الذاتية على العقل والفكر والسقوط في الجمود. والحقيقة أن الشبهات والأمور المثيرة للجدل تستحق النقاش أكثر من غيرها، لأنها غير واضحة! فالواضح لا يحتاج إلى توضيح إضافي، وإنما المشتبه الغامض هو الذي يستحق النقاش والتوضيح والتحليل.

والحقيقة أن الثورة فعل سياسي شعبي في المقام الأول. والمطالبة بأي تغيير مجتمعي (اقتصادي، اجتماعي، إداري، قانوني، قضائي) هو قمة السياسة. والمواطن المطحون محسن فكري هو أساس هذه الثورة الريفية. ومقتله الشنيع هو جوهر المشكل الريفي المغربي الذي هو سياسي اقتصادي، أي: الاستبداد والفقر. ولا يمكن الفصل بين الاستبداد والفقر.

2) مشكلة الـلاريفيين مع الطابع الريفي الجهوي للثورة الريفية: الممتعضون من ثورة الريف هم الانفصاليون الحقيقيون

يمتعض ويتأفف اللاريفيون من عبارات”الشعب الريفي” و”المخزن برّا” و”نحن الريفيون” وهي عبارات يختار كثير من المتظاهرين استخدامها كوسيلة تعبوية (لتعبئة المحليين ضد الدولةالمركزية في الرباط)وإمعانا في تقريع وتوبيخ الدولة على إهمالها للمنطقة واقتصار اهتمامها غالبا على جمع الضرائب.

المعنى الشعبي الدقيق لكلمة “المخزن” هو “السلطة المركزية” أو “الدولة المركزية”. و”المخزن” ليس سوى ترجمة للكلمة الأمازيغية Agadir التي تعني مخزنا أو حصنا أو مستودعا مركزيا لمحاصيل وأموال وسلاح القبيلة أو الدولة الأمازيغية،ويعتبر مركزا لكل شيء من سياسة واقتصاد ومؤونة وعتاد. فالمستودع هو المخزن والمخزن هو Agadir. وأكاديرُ المغربِ هو الرباط الذي هو المخزن.

هناك سخط على الدولة المركزية في كل المغرب وليس فقط في الريف، لأن أموال الضرائب الطائلةالتي تذهب إلى الرباط لا تعود على الشعب إلا بالقليل من النفع.

الثورة الريفية تستخدم عباراتها الخاصة بها لأنها ثورة جهوية موجهة للشعب المحلي وللدولة في الرباط. وبسبب أنها ثورة جهوية صرفة فلن تنجح في استقطاب السكان المحليين إلا بالتركيز على الهوية المحلية والرموز الثقافية والتاريخية المحليةوالمصطلحات الرنانة المحلية من قبيل “الشعب الريفي” و”المواطن الريفي” و”الإنسان الريفي” و”نحن الريفيون”، “Tarwa en Arif” ، “Tamurt en Arif”، إلخ.

كما أن الثورة الريفية حين تستخدم الهوية المحلية ورموز التاريخ المحلي كراية الجمهورية الريفية وصور رئيس تلك الجمهورية التاريخية “محند عبد الكريم الخطابي” Muḥend Ɛebd Krim Elxeṭṭabi تنجح في لفت انتباه الرأي العالم المغربي الوطني والدولي بسبب لونها المحلي غير المألوف في الإعلام المغربي والدولي. إنها استراتيجية تسويق Marketing عفوية. الشركة الناجحة هي التي تنجح في تعليب وترويج منتوج متميز بقوة عن بقية المنتوجات. لو كان منتوجها فوطوكوبي من المنتوجات الأخرى المعروفة والمملولة فمن سيكتشفه؟! ومن سيلاحظه؟!

الثورة الريفية ناجحة لأنها ريفية الألوان والأعلام والشعارات وأمازيغية اللغة، وبتلك المميزات نجحت في لفت الانتباه إليها. ومن يحلم بنزع ألوانها ومميزاتها واستبدالها بألوان وشعارات أخرى موجودة في السوق فهو يحلم بتذويبها وإنهائها.

من يكثر الحديث عن الانفصال الريفي والانفصاليين الريفيين كلما نزل الريفيون إلى الشوارع للتظاهر هو الانفصالي الحقيقي لأنه منفصل عن هؤلاء الريفيين وغير قادر على فهمهم ولا يعتبر نفسه منهم.

3) السخط على الدولة المركزية في الرباط ظاهرة طبيعية:لا داعي لهذيان الانفصال

في كل دول العالم تتظاهر المناطق الهامشية ضد الدولة المركزية في العاصمة. وبسبب طبيعة الدولة المركزية فعاصمتها تعيش دائما من ريع المدن والأقاليم الأخرى. فأموال الضرائب تصب في العاصمة ويصرف جزء كبير منها في العاصمة. وهكذا يعيش سكان العاصمة بشكل أفضل نسبيا من بقية مدن البلد المعين. هذه قاعدة عامة.

في الولايات المتحدة الأمريكية يعتبر السخط الشعبي على العاصمة Washington رياضة وطنية بامتياز، ورغم ذلك لا يُتَّهَمُ الساخطون على العاصمة بالنزعة الانفصالية. كما أن الرايات التي يرفعونها دائما في المظاهرات لا حصر لها، وربما أشهرها هو علم الجنوب الأمريكي المسمى The Confederate Flag الذي يعود إلى فترة الحرب الأهلية الأمريكية بين الشمال والجنوب. في الثقافة الشعبية الأمريكية ترتبط العاصمة Washington بفكرة الفساد السياسي والترهل الأخلاقي والكذب والنفاق والعيش الطفيلي على ظهر المواطن الكادح دافع الضرائب. الشعب الأمريكي غاضب طيلة الوقت على العاصمة. والمرشح الانتخابي البرلماني الأمريكي يجتهد طيلة الوقت لإقناع الناخبين بأنه سينتزع لهم حقوقهم وأموالهم من العاصمة البعيدة الشريرة Washington وأنه سيحرر الشعب من دكتاتورية Washington وسيسترجع السلطات والصلاحيات من العاصمة إلى ولايته أو مدينته أو قريته ليستطيع الناس في مناطقهم المحلية الاستفادة من أموالهم والتحكم في مصيرهم بعيدا عن استبداد العاصمة وتحكمها.

هذا السخط الشعبي الأمريكي على العاصمة وانعدام الثقة فيها هو من أعمدة الفكر السياسي الأمريكي. وذلك لأن الأمريكيين بعد أن طردوا الاحتلال البريطاني قد جُبِلوا على كراهية التسلط المركزي والحكم المركزي والملكية المتسلطةولأنهم استوعبوا أن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة، وأن الحاكم في العاصمة البعيدة لا يفهم من هموم الشعب إلا القليل ولا يحق له أن يمسبحرية الشعب تحت أي مبرر.

الأمريكيون مشغولون دائما وأبدا بتحصين حريتهممن مخالب العاصمة،ويسعون دائما إلى انتزاع السلطات من العاصمة وتوطينها في ولايتهم أو مدينتهم أو قريتهم سواء تعلق الأمر بالضرائب أو بالتشغيل أو بالبنية التحتية أو بأي شيء آخر. وقد اخترع الأمريكيون مفهوم “الحكومة الصغيرة” Small government التي تعني أن الحكومة يجب أن تبقى صغيرة الحجم ما أمكن (من حيث عدد موظفيها وحجم سلطاتها وحجم الضرائب التي تمتصها من جيوب الشعب). ويعتبر مفهوم Big government “الحكومة الكبيرة” مصطلحا أمريكيا قدحيا يرمز إلى الدولة المتغولة والمتضخمة والمتدخلة في كل شيء والتي تمتص قدرا ضخما من الضرائب. الأمريكيون يريدون من الحكومة أن لا تتضخم حتى لا تتغول وتستبد وتتحكم فيهم. فكرة “الحكومة الصغيرة” تدور حول أنه لا يجب على الحكومة أن تتدخل في كل شيء من شؤون الشعب، بل يجب أن تكون صلاحياتها محدودة جدا وأن تكون الضرائب التي تفرضها على الشعب أقل ما أمكن. وذلك لأن الأمريكيين يعلمون أن أموال الضرائب التي تذهب إلى العاصمةWashingtonغالبا ما لن تعود إليهم أبدا، وأن الحريات التي تأخذها منهم الدولة غالبا ما لا تعود إلا نادرا وبجهد جهيد.

لذلك فالمعركة ضد العاصمة Washington أو Eṛṛbaṭ هي معركة أبدية بين الدولة التي تريد امتصاص أكبر قدر ممكن من الضرائب والسلطات، والشعب المحلي الذي يريد الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من أمواله وعرق جبينه وحرياته، مع إجبار الدولة على إنفاق ما امتصته من أموال الشعب المحلي على تجهيز المستشفيات وبناء الطرقات وتمويل الجامعات وبقية الخدمات العمومية الأساسية.

4) الريفيون يقولون للممتعضين والمتأففين: آش دخّل حماركم لأسبوع الفرس؟!

المواطن المغربي الذي يعيش خارج الريف في مناطق المغرب الأخرى أو في الخارج ليس مجبرا على أن يكون له رأي في هذه الثورة الريفية الجهويةولا أن يشارك فيها. ولكن الريفيين يقولون لمن يستنكرون عليهم نضالهم ورموزهم الريفية الأمازيغية المحلية وراياتهم الريفية والأمازيغية: آش دخّل حماركم لأسبوع الفرس؟!

بعبارة أخرى: من لا يعجبه الطابع الريفي لهذه الثورة الريفية الشعبية الجهوية فيمكنه أن يتجاهلها وينصرف إلى مشاهدة كرة القدم وأخبار مغامرات داعش وترامب. فالثورة الشعبية الريفية مستمرة برضاك وبامتعاضك. وقرار إيقافها هو بيد المتظاهرين من أبناء أقاليم الريف ولا أحد غيرهم.

من يمتعض من الثورة الريفية ويستنكر طابعها الريفي فهو يعتبر الريف أجنبيا عنه وعن المغرب، ولا يجدر به أن يلوم الريفيين على ريفيتهم وعلى رايتهم الريفية ورايتهم الأمازيغية وشعاراتهم الساخطة التي تقدح بشدة في الدولة المركزية (المخزن) وتطالب بالإصلاحات الجذرية. فصاحبنا الممتعض من الثورة الريفية هو الانفصالي الحقيقي لأنه قد فصل نفسه عن الريف وشعب الريف عندما وضع نفسه في وضع الخصم أو في مقام “الأستاذية” أوعندما أدان اعتزاز الريفيين بمنطقتهم وتاريخهم ورموزهم واستنكر تركيزهم على مشاكل أقاليمهم ومدنهم وقراهم. فصاحبنا الممتعض من ثورة الريف يشعر بالغيرة والحسد من كل الجموع الغفيرة من الريفيين التي ترفع الرايات الريفية والأمازيغية (رايات تامازغا) وتتصدر نشرات الأخبار. فيقوم صاحبنا الممتعض بالغمز واللمز في نوايا الريفيين بعبارات مؤامراتية ممضوغة من قبيل “الفتنة نائمة لعن….” و”الانفصاليون الريفيون….” و”الأيادي الخارجية…..” و”لا تفرقوا بين المغاربة” و”جهات مشبوهة….”.

ومن يساند الثورة الريفية ويتماهى معها ويقتدي بها (في منطقته) أو يشارك فيها في عين المكان (في الريف) أو عن بعد (في المناطق الأخرى أو في الخارج) فهو يعتبر الريف جزءا من المغرب ويعتبر المغرب جزءا من الريف، وهو بسلوكه يدعم الوحدة الترابية المغربية. المغربي الذي يعيش في منطقة مغربية أخرى ويدعم الثورة الريفية الشعبية كما هي بطابعها الريفي وراياتها الريفية هو في الحقيقة يعتبر أن مشاكل الريف هي مشاكل المغرب، وأن نجاح الريف يصب في نجاح المغرب ويصب في نجاح المناطق المغربية الأخرى. أما الذي يخاف من نجاح الريف والريفيين ويمتعض من رموز الريف ويتأفف من رايات الريف وشعارات الريف فهو يعتبر الريف أجنبيا عن المغرب أو عبئا على المغرب يجب التخلص منه.

5) مشكلة الـلاريفيين مع الراية الريفية والراية الأمازيغية: ما سر غياب الراية المغربية الرسمية؟

في أذهان كثير من الناطقين بالأمازيغية والواعين بالهوية الأمازيغيةترتبط الراية المغربية الرسميةبالتعريب وبمعاداة اللغة الأمازيغية وإنكار هوية المغرب الأمازيغية وادعاء هوية عربية للمغرب. فالدولة المغربية منخرطة منذ 1912 وإلى حد الآن في سياسة التعريب والفرنسة (بشكل متعمد أو غير متعمد، لا يهم). في اليوم الذي تصبح فيه الدولة المغربية المدافع رقم 1 عن اللغة الأمازيغية والهوية الأمازيغية وتنفض عن نفسها العروبة والتعريب والفرنسةفلن يهتمولن يقلق أحد من الراية الأمازيغية لأن معناها حينئذ ستكون قد تبنته الراية المغربية الرسمية. فتصبح الراية المغربية = الراية الأمازيغية.

والراية المغربية الرسمية مرتبطة في أذهان كثير من الريفيين بالبطش المخزني وبالقصف الجوي الذي ارتكبه الجيش المغربي ضد قرى الحسيمة عامي 1958 و1959 وراح ضحيته مدنيون كثيرون، ومرتبطة بأعمال القتل والمقابر الجماعية في الناظور عام 1984 التي ارتكبها أيضا الجيش المغربي، ومرتبطة ببقية أعمال العنف العسكري والبوليسي والإداري. الناس يربطون الرموز (كالراية المغربية الرسمية) بأفاعيل مستخدمها الرسمي (الدولة المغربية). لذلك يقوم الشباب الريفي المتمرد والمشاغب برفع راية الجمهورية الريفية نكاية في الدولة المركزية (المخزن) وانتقاما منها بشكل معنوي ورمزي وتأكيدا لعناده وعدم خضوعهللسياسة الحالية. وحين تتجاوز الدولة هذا التاريخ الأسود عبر المساهمة في تنمية أقاليم الريف واحترام لغته الأمازيغية وحريات أهله وحقوقهم فسيبقى علم الجمهورية الريفية مجرد راية تراثية أو جهوية كبقية الرايات الجهوية والتراثية المغربية الأخرى. التنمية والديمقراطية والحرية والمساواة هي ضمان الوحدة والاستقرار. أما العسكرة والبولسة والعجرفة والغطرسة وإذلال الشعب فهي الوصفة الكاملة للفوضى والثورة والانفصال والتفكك.

6) راية الريف وراية تامازغا مغربيتان وباقيتان في المغرب إلى الأبد لأن الريف مغربي ولأن المغرب أمازيغي:

يجب على من لديهم حساسية تجاه الراية الأمازيغية والراية الريفية أن يفهموا شيئين:

– أن الراية الريفية والراية الأمازيغية رايتان مغربيتان يملكهما الشعب المغربي، لأن الريف منطقة مغربية ولأن المغرب منطقة أمازيغية.

– أن الراية الريفية والراية الأمازيغية باقيتان في المغرب إلى الأبد وستستمران في الظهور على التلفزات ووسائل الإعلام والشوارع وملاعب كرة القدم إلى الأبد. لن تختفيا من المغرب أبدا لأنهما تعبران عن هوية المغرب وتاريخه.

الراية الريفية والراية الأمازيغية مغربيتان لسبب بسيط هو أن جزءا ضخما من المغاربة يتبنونهما كراية هوياتية وثقافية ووطنية كما يتبنون الراية المغربية الرسمية ورايات الوداد والرجاء والمغرب التطواني وحسنية أكادير وشباب الريف. فأية راية يتبناها الشعب المغربي أو جزء منه كراية هوياتية وطنية أو ثقافية هي راية مغربية أصيلة سواء أكانت رسمية أم لم تكن. والراية الحمراء بنجمتها الخماسية هي راية رسمية للدولة المغربية منذ 1915 عندما قرر الحاكم الفرنسي للمغرب Hubert Lyautey أن يضيف نجمة خماسية إلى اللواء الأحمر السلطاني. وقبله كان العلم الرسمي للإيالة الشريفة (سلطنة مراكش) هو اللواء الأحمر فقط، وأحيانا اللواء الأحمر بمربعين متداخلين، وأحيانا أخرى اللواء الأحمر بالنجمة السداسية اليهودية (أو ما يسميه المغاربة بـ”خاتم سليمان”). وتلك النجمة السداسية (خاتم سليمان) موجودة أيضا على الراية الريفية وعلى عملات نقدية مغربية من القرن التاسع عشر.

الخائفون من الرايات والرموز معذورون لأنهم نشأوا بعقلية بوليسية في ظل دولة بوليسية تحاكم الناس على الشبهة وتتدخل في اختياراتهم الشخصية الفكرية والدينية. الخوف المرضي من الراية ومن الكلمة ومن اللغة يعكس خوفا مرضيا phobiaمن تحول الرموز والكلمات إلى حقائق متجسدة على الأرض تهدد ما هو موجود. وهذه الفوبيا phobiaهي من خصائص الدول الاستبدادية والشعوب التي ألفت الاستبداد والعبودية طويلا فأصبحت تنتجهما وتفتخر بهما.

7) الراية الريفية والأمازيغية حرام على الريفيين ولكن راية تنظيم القاعدةحلال على السلفيين!

ومن المثير للاهتمام أن السلفيينالمغاربة عندما يخرجون للتظاهر في المدن المغربية لا يرفعون العلم المغربي ولا العلم الأمازيغي ولا العلم الريفي (فهذه الرايات وثنية بالنسبة لهم)، وإنما يرفعون راية سوداء كتبت عليها عبارة “لا إله إلا اللهمحمد رسول الله”، وهي نفس الراية التي ترفعها التنظيمات الإسلامية الإرهابية كـ”القاعدة” و”جبهة النصرة”و”أنصار الشريعة” و”جند الأقصى” و”إمارة القوقاز الإسلامية” و”جيش المهاجرين والأنصار” (وكل هذه التنظيمات مصنفة كتنظيمات إرهابية من طرف الولايات المتحدة ودول أخرى). كما أن تلك الراية هي تقريبا نفس راية السعودية (مع فارق اللون). ولكن لا أحد من المثقفين والمعلقين المغاربة يجرؤ على استنكار وجود هذه الراية الإسلامية السلفية بالمغرب، ولا أحد يتهم هؤلاء المتظاهرين السلفيين المغاربة بالانفصال أو النعرة الدينية أو الإرهاب أو التعامل مع جهات خارجية مشبوهة أو بث الفرقة بين المغاربة.

لا أحد من المعلقين والمثقفين المغاربة يتساءل عن ما الذي تفعله الراية الإسلامية السلفية بالمغرب. ولا نسمع أحدا يستنكر رفع علم تنظيم القاعدة وجبهة النصرة وأنصار الشريعة في شوارع المغرب. لا أحد من المثقفين والمعلقين يجرؤ على مساءلة هؤلاء السلفيين عن سر عدم رفعهم للراية المغربية الرسمية. فقط حينما تظهر الراية الأمازيغية أو الريفيةيتذكر هؤلاء المعلقون علم المغرب الرسمي ويبدأون في ترديد كاسيطة المؤامرة والانفصال والفتنة. عجيب هذا الكيل بمكيالين. هل هؤلاء المعلقون والكتاب خائفون من التعرض للتكفير وإهدار الدم إذا تجرأوا على استنكار رفع السلفيين رايات تنظيم القاعدة بالمغرب؟!

8) النزعة الانفصالية الريفية: الجمهورية الريفية التي تخيف الدولة المغربية

لا شك في أن حلم الانفصال يدغدغ مشاعر بعض الريفيين. والنزعة الانفصالية تنبع من فقدان تام وكامل للأمل والثقة في الدولة (بسبب عنفها أو استبدادها أو فشلها) يجعل صاحب العقلية الانفصالية لا يستطيع تصور حريته وسعادته مع تلك الدولة ويسعى إلى صنع دولة جديدة منفصلة. ويحلم بعض الريفيين بإحياء جمهورية الريف (1921-1926) بتأسيس دويلة جمهورية ريفية جديدةيتخيلون أنها ستكون مثل دويلةسويسرا أو دويلة هولندا أو دويلة بلجيكا أو دويلة الدانمارك– أي حرة مزدهرة ومستقلة،ولها رئيسها الريفي وبرلمانها الريفي وجيشها الريفي ورايتها الريفية ومنتخبها الريفي الوطني لكرة القدم الذي سيشارك طبعا في كأس أفريقيا وكأس العالم،ولها لغتها الرسمية الوحيدة ألا وهي “اللغة الريفية” (رغم أن الريفيين يسمون لغتهم Tmaziɣt ثْمازيغث، وليس “تاريفيت” كما يتوهم الكثيرون). ولا أفوت هذه الفرصة لأؤكد أن حلم الانفصال مجرد حلم لن يتحقق ولا يجب أن يتحقق، وذلك لأن الريف منطقة مغربية ولأن المغرب منطقة أمازيغية. هذا فضلا عن أن الانفصال هو مشروع استنزاف وخراب وحرب أهلية.

الانفصال كلام فارغ المضمون ولكنه كلام شديد الاحتراق إعلاميا وقوي التأثير سياسيا وله مفعول الإنذار على الدولة يجعلها تتصرف بعنجهية بوليسية حين تشعر بالقوة والثقةويجعلها تهرول لإطفاء الحرائق والتعجيل ببعض المشاريع الاقتصادية الترقيعية حين تشعر بالخوف أو الارتباك أو بفداحة الغضب الشعبي.

إثارة موضوع الانفصال هو تقنية هجومية يستعملها بعض الثوار والمشاغبين للضغط على الدولة المركزية وتخويفها وإجبارها على الرضوخ للمطالب الشعبية. كما أن إثارة موضوع الانفصال هو تقنية دفاعية تستخدمها الدولة والسياسيون والمثقفون التابعون لها أو المتفقون معها لكبح الثورة الشعبية أو تشويهها لإخمادها، عبر تخويف الناس من تبعات الانفصال المزعوم وما يعنيه من حرب وقلاقل وذلك لكي ينفر الناس من الثورة ويتوقفوا عن المشاركة فيها.

الانفصال في حد ذاته له مفعول تدميري واستنزافي هائل على الدولة والبلد والشعب عموما وعلى المنطقة المعنية بالانفصال بشكل أخص. ولدى المغرب تجربة مع محاولة حقيقية للانفصال وهي جبهة البوليساريو التابعة للجزائر. كما أن هناك مشكل “انفصاليي الداخل” في العيون والسمارة والداخلة الذين يرفعون راية البوليساريو الشبيهة براية فلسطين وينظمون المظاهرات من حين لآخر، وليسوا تابعين لجبهة البوليساريو بالضرورة. وهم شباب عاطل أو ساخط ولد وتربى في المغرب على كراهية المغرب تحت الفقر والزرواطة البوليسية وشطط سياسات الدولة، واستنشق فكرة الانفصال الرائجة في الإعلام كحل لكل مشاكله. وهذه المحاولة الانفصالية العسكريةالبوليسارية المدعومة جزائرياتسببت في مقتل الآلاف من الجنود المغاربة ومقتل آلاف المدنيين الجنوبيين ومقتل آلاف مقاتلي البوليساريو ومقتل مئات الجنود الجزائريين والموريتانيين، وعشرات الآلاف من المعطوبين نفسيا وبدنيا، وفي دمار كبير اضطرت معه الدولة إلى مص دم شمال المغرب ووسطه لإطعام الجنوب وبناء مدن الجنوب، وعسكرة ضخمة للجنوب وبناء الحائط العسكري المعلوم الأطول من نوعه في التاريخ، واستيراد كميات ضخمة من السلاح سنويا تستنزف موارد المغرب. ولولا هذا المشكل الانفصالي لتوجهت عشرات الملايير من الدولار عبر 40 عاما إلى بناء الصناعة والمستشفيات والمساكن والتشغيل.

خلاصة القول: الانفصال خراب ودمار، ولا يجب أن يلجأ إليه شعب من الشعوب إلا في حالة شعوره بخطر الإبادة العرقية أو الهوياتية أو اللغوية الشاملة.

9) العالم مليء بمئات الحركات الانفصالية أو الجهوية براياتها الملونة وأسمائها المنوعة:

المعروف أن الحركات الانفصالية تستعين عادة بمبدإ “حق تقرير مصير الشعوب” المتعارف عليه حقوقيا وعالميا. ولكن من الناحية العملية لا يتم تطبيق هذا المبدإ إلا نادرا لأن الدول رافضة للتفكك بطبيعتها وحريصة على حماية الوحدة الترابية. ولا يتم تطبيق مبدإ تقرير المصير إلاحين تكون الحركة الانفصالية منتصرة عسكريا (كما في إيريتريا وجنوب السودان مثلا) أو ضخمة التأييد الشعبي بشكل يستحيل تجاهله من طرف الدولة كما في حالات المحاولات الانفصالية السلمية عبر الاستفتاء في اسكتلندا وكيبيك وكاتالونيا وكردستان العراق مؤخرا، أو في حالات انفصال تيمور الشرقية عن إندونيسيا بالاستفتاء أو انفصال التشيك وسلوفاكيا بالتصويت البرلماني.

العالم يزدحم بالحركات الانفصالية المسلحة والسلمية، الكبيرة والصغيرة. ولو طبق مبدأ “تقرير المصير” في كل بلد توجد فيه حركات انفصالية فسيقفز عدد دول الكرة الأرضية من 200 دولة حاليا إلى 400 أو 500 دولة بسهولة. ففي الولايات المتحدة توجد أزيد من 10 حركات انفصالية منظمة براياتها وأدبياتها ومقراتها، وفي فرنسا توجد 12 حركة انفصالية منظمة لها أعلامها وأدبياتها. وفي إسبانيا توجد 17 حركة انفصالية منظمة لكل منها رايتها واسمها وشعبها ومشروعها.

10) الريفيون يحملقون يوميا في مليلية وسبتة المتقدمتين ويقارنونهما مع الريف والمغرب:

الريفيون يوجدون في وضعية خاصة عن بقية مناطق المغرب وهي أنه توجد ضمن منطقتهم مدينتا مليلية (مريتش) Mřič وسبتة Sebta المحتلتان من طرف إسبانيا. الريفي (بخلاف بقية المغاربة) يدخل يوميا إلى هاتين المدينتين المحتلتين ويتعامل معهما يوميا ويحملق يوميا في مدى تقدم وتحضر وروعة وجمال ونظافة هاتين المدينتين ويقارنهما يوميا بمدنه الريفية المنكوبة البائسة.

وهكذا يتساءل الريفي: الشمس التي تسطع على مليلية وسبتة هي نفس الشمس التي تسطع على الريف، والهواء التي تتنفسه مليلية وسبتة والريف هو نفسه. والأرض هي نفسها. فما الذي يجعل الريف يعيش في كل هذا البؤس والتصحر والفقر والتخلف بينما سبتة ومليلية تعيشان في بحبوحة من التقدم والرقي والنظافة والثراء ولا تختلفان أبدا عن بقية إسبانيا وأوروبا؟ كيف تحولت Mřič وSebta المحتلتان إلى قطعتين من أوروبا اقتصاديا وعمرانيا بينما باقي المغرب الملاصق لهما يبدو وكأنه من كوكب صحراوي آخر؟

هل يوجد بترول وغاز أو مصادر ريع خارقة للعادة في مليلية وسبتة يجعلونهما متفوقتين على كل المدن المغربية من حيث مستوى المعيشة والخدمات الأساسية والنظافة وجودة العمران؟ لا. لا يوجد بترول ولا غاز في مليلية وسبتة. إنها الحرية الشخصية، والحرية الاقتصادية، والحكم المحلي الديمقراطي، وسيادة حقوق الإنسان، ومحاسبة الحكام على كل سنتيم يصرف، واستثمار أموال الضرائب المحلية في الخدمات المحلية بدلنهبها أو تهريبها إلى مدن بعيدة.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .