annaf

رشيد بحماني : انتصر “ناصر” و لو اعتقل !

رشيد بحماني – أنفراي –

انتشر خبر اعتقال أيقونة الحراك الريفي، و أبرز نشطائه ” ناصر الزفزافي” صباح اليوم على نطاق واسع، و يبدو أنه خبر صحيح، خصوصا بعد البلاغ الصادر عن وكيل الملك الذي أكد اعتقاله، هذا الرجل الشهم  و الشجاع الذي استطاع أن يحرك دولة بأكملها، بحكومتها و برلمانها و داخليتها و كل مؤسساتها و كل شيء بمجرد خطاب، خطاب و فقط ، و استطاع أن يكون الشغل الشاغل للمغاربة على مدى سبعة أشهر، بل استطاع أن يجدب أنظار العالم و القنوات و الصحف الدولية الى منطقة الريف، و الى المطالب التي اتفق العالم على شرعيتها. و قبل كل ذلك استطاع أن يجمع الريفيين عن بكرة أبيهم، و يجعلهم صوتا واحدا.

و إن اعتقل، أو حتى و ان قتل فقد دخل التاريخ من أوسع أبوابه، و فتح صفحة جديدة من صفحات النضالات الملحمية الشعبية، و من التضحيات الجسام، من أجل الشعب و من أجل أن ينال كرامته و شروط عيشه التي يستحقها. ناصر نموذج للانسان الأمازيغي المتمرد و النازع للحرية و الكرامة و العيش الكريم، أو الموت دون ذلك، و قد قالها بكل وضوح، و بشكل مباشر: إذا اعتقلنا فقد انتصرنا، و اذا قتلنا فقد انتصرنا، في جميع الأحوال فحقيقة انتصار ” ناصر ” لا يمكنا اخفاؤها عن طريق التنكيل به و تصوير ذلك و بث ذلك و نشره ( ان صحت تلك الصور) لبث الرعب في نفوس المطالبين بحقوقهم..

ما يقع في الريف الان مسرحية مكشوفة و مشروخة و مفضوحة تنسج خيوطها داخل دواليب الدولة و داخل الغرف الامنية، هدفها التحايل على الاستجابة لمطالب الحراك الشعبي بالريف و الهروب الى الأمام لا غير، و إنقاذ ما يمكن انقاذه من ما يدعى في أدبيات السلطوية ب ” هيبة الدولة ” التي قفزت السلطة على الطرق السليمة للحفاظ عليها، عبر احترام القانون و المساواة في تطبيقه، و فصل السلط، و احقاق الديمقراطية و الحفاظ على الحقوق و الحريات و تحقيق وسائل الرفاه لمواطنيها، و هو ما يدخل من صميم واجباتها و في صلب اختصاصاتها. قفزت على كل ذلك الى الخيار السهل، خيار القمع و المقاربة الأمنية و الاعتقالات السياسية.

هذه المطالب التي اعترفت الدولة نفسها بمعقوليتها و مشروعيتها و ضرورة الاستجابة اليها، و التي لن تحتاج – الدولة- في الاستجابة اليها سوى للإرادة السياسية الحقيقية لا غير، عبر اجراءات بسيطة و مباشرة كالإنصات للمحتجين و تفهم احتياجاتهم خصوصا في منطقة لا زال المخيال الشعبي لساكنتها مثقلا بجراح الماضي، و لا زال العقل الجمعي يحتفظ بصور قاتمة لعلاقة المركز بمنطقتهم و التي كانت في الغلب أنموذجا لعلاقة الأمني بالمجرم، و التي لم تكف مقاربات محتشمة من قبيل ” الانصاف و المصالحة “لمحو هذه الصور التي ازدادت قتامة، و لا لتضميد الجراح التي زادت نزيفا، و أصبح في حكم المؤكد أنها لن تندمل قريبا.

ان الهاجس الامني و هواجس الهيبة و العنترية التي تحاول الدولة الحفاظ عليها، يمنعها من ذلك الاستجابة للملف المطلبي للريف الذي هو مطلب كل مناطق المغرب، شأنه شأن كافة النضالات الشعبية، و لنا في التاريخ القريب أمثلة ( ملف الأساتذة المتدربين نموذجا) بالرغم من وجود اختلافات واضحة بين هذه النضالات، لن تستجيب خصوصا اذ كان الشعب هو المبادر لطلب هذه الحقوق و المطالب و سابق الى النضال من اجلها، بينما كان عليه ان ينتظر ما تجود به عليه ” مزاجيات المخزن المتقلبة ” ان هو فقط قرر و اراد ذلك.. و هو المنطق الذي تراه السلطة المنطق السليم و العادي لتحقيق مطالب المواطنين.. منطق الاكراميات و العطايا من فتات موائد المخزن.، و هو ما يتماشى تماما و عقلية ” المخزن المغربي ” أي عقلية السلطة و الرعايا التي لا يستقيم لها أن تخرج عن الطاعة و لو كان الحاكم ظالما.

إن المتتبع للاحداث من بدايتها، اي من بداية الحراك بعد مقتل و طحن السماك ” محسن فكري ” سيلمس تغيرات مستمرة في سلوك المخزن، و هو ما سنقسمه الى فترتين اساسيتين:

  • من بداية الحراك الى بلاغ الاغلبية الحكومية:
  • تميزت هذه الفترة بالسلوك المهادن للسلطة تجاه الحراك و المراهنة على عامل الزمن، و انحسار ارادة و عزيمة المحتجين، و بالتالي افول نجم الحراك و نهايته، و هو ما لم يجد طريقه الى الواقع، بعد ان حدث عكس ما كانت الدولة تراهن عليه، حيث بدا الحراك ليشمل مناطق جديدة و فئات مجتمعية جديدة، و بدأ يأخذ بعدا ” ريفيا ” بعد ان كان مقتصرا على اقليم الحسيمة، بل و تجاوز ذلك حتى الى خارج المغرب، حيث جسدت وقفات داعمة و انشات لجان اوروبية للدعم، و بدا تواصل ريفيي المهجر مع منظمات حقوقية و هيئات سياسية خارجية من اجل دعم الحراك، كما اخذ الحراك يلقي بضلاله عل مناطق خارج الريف، ابتدأت اولا بالتعبير عن التضامن عن طريق و قفات تضامنية، ثم تطورت لتصبح محاولات لنقل تجربة الريف الى تلك المناطق.. كل هاته التطورات كانت تحت الاعين التي لا تنام للأجهزة الامنية العلنية و السرية و كانت بطبيعة الحال موضوعا لتتبع الغرف السرية.. الشي الذ ي بدأ معه يفرض الحسم مع الحراك، و ضرورة وقف زحف هذا الربيع، الشيء الذي سينقلنا الى الفترة الثانية .
  • – الفترة ما بعد بلاغ الأغلبية الحكومية الى لان:
  • واهم من يعتقد ان البلاغ الحكومي الذي صدر عن أحزاب الاغلبية الحكومية جاء جزافا، و انما أريد به ما أريد و من بينه جس نبض الريفيين و الرأي العام على حد سواء، تصريحات خطيرة اتهم خلالها الحراك و نشطاءه بتلقي اموال اجنبية و خدمة اجندات خارجية، بناء على ما قيل انها تقارير لوزارة الداخلية، و هي التصريحات التي رد عليها الحراك بمسيرة حاشدة، لتراجعت عنها الاغلبية بسرعة قياسية و تحولت التصريحات من خطاب التخوين الى خطاب المطالب المشروعة التي ستعمل الحكومة على الاستجابة اليها: منطق العصا و الجزرة. بعد ذلك سيتم ايفاد لجنة وزارية الى الحسيمة للوقوف على سير المشاريع التي سبق تدشينها، و سيلاحظ القارئ هنا، أن الحديث ليس عن مشاريع جديدة بقدر ما هو عن مشاريع سبق تدشينها في اطار ما سمي بمشروع ” الحسيمة منارة المتوسط” و هو ما سيؤكد فيه المخزن مجددا على أنه لا يمنح سوى ما أراد، و لن يقبل بمنطق لي اليد.
  • الاعتقالات التي ستأتي بعد ذلك، في حق جميع النشطاء البارزين في الحراك، وصولا الى اعتقال ” القائد ” ( قائد الحراك و رمزه) ناصر الزفزافي، ليس سوى نتيجة لكل ما سبق و خصوصا واقعة المسجد التي يبدو أنه تم التحضير لها بإتقان، و استغلتها السلطة عبر اعلامها ايما استغلال، للعزف على وتر ” المقدس” لدى المغاربة و تأليبهم ضد شخص ” الزفزافي” و عبره الحراك عموما، و التي أريد منها تحضير الرأي العام نفسيا لنتيجة حتمية و مؤكدة منذ البداية.
  • غير أن الواضح و المحسوم فيه هو أنه حتى و إن تمكنت الاعتقالات و التهم الملفقة في نسف الحراك و ايقافه، فان الخاسر الأكبر هنا هو الدولة المغربية التي ستجد نفسها مستقبلا، في مواجهات مباشرة مع الشارع، دون وساطات الأحزاب و النقابات و الجمعيات و النخب، هذه الأخيرة التي أحرق الحراك اخر أوراقها، و أثبث أنها جميعها لن تكون أكثر من كراكيز تستدعى كلما كانت هناك حاجة اليها.
  • لقد انتصر ” ناصر ” و لو اعتقل !

عد ذلك سيتم ايفاد لجنة وزارية قيل ان هدفها هو الوقوف على درجة و حسن انجاز المشاريع التي سبق اطلاقها، و والانصات لمطالب المواطنين و احتياجاتهم

يضفي الشرعية على تدخل امني مباشر،

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .