annaf

رحلة الريف ما بين 1958، 1984 و 2017

 

بقلم : تسليت أونزار   .                                                             

 

“سكان الشمال يعرفون جيدا ولي العهد، و ليس من مصلحتهم بأن يعرفوا الحسن الثاني”.   هذه قولة لن تنسى للملك الراحل الحسن الثاني في خطابه الشهير بتاريخ 22 يناير 1984، إثر أحداث انتفاضة الخبز أو الانتفاضة التلاميذية التي عرفها شمال المملكة إضافة، إلى مدن أخرى (لم تكن الدارالبيضاء ضمنها لأسباب فرضتها اللحظة). و هذه العبارة تحمل فحوى عميقا و خطيرا، مفاده أن الملك الراحل يشير بالتلميح إلى طريقة تعامله مع انتفاضة 1958 التي كان مطلبها الأساسي : إنشاء إدارة جهوية للريف، تدار من خلالها شؤون المنطقة، و كان ذلك بعد خيبة آمال سكان الجهة من أحزاب ما بعد الاستقلال، الأمر الذي رأى فيه ولي العهد آنذاك، تهديدا لوحدة المملكة، فقام بمعية رجالاته بإخمادها بهجمة عسكرية، خلفت ضحايا و جراح لم تنسى حتى هذا اليوم، حيث انتهى السيناريو بتهميش مطول دام حتى وفاة الحسن الثاني، و استمر بشكل آخر و لو بعد إنشاء هيئة الإنصاف و المصالحة. قولة الحسن الثاني تلك،  كانت تهديدا صريحا بإعادة القمع الدموي لكبح انتفاضة 1984، ­و هذا ما كان. و في نفس الخطاب، وصف الراحل سكان الريف بالأوباش، ليزيد بذلك الهوة بين السلطة الحاكمة و ساكنة المنطقة، و ليحفر في الجرح الغير ملتئم من جديد.

من هذا السياق، تتضح الرؤيا لسبب تهميش العاهل الراحل لجهة الريف، و تتضح لنا الصورة أكثر إن رجعنا قليلا إلى الوراء، و علمنا أن القائد محمد بن عبد الكريم الخطابي، لم يكن على نفس موجة رؤية و تصور الأمور كما الملك الراحل. فالأول يقول من منفاه بعد الاستقلال، بوجوب إزالة أي أثر للمستعمِر من البلاد و التخلص من أي روابط أو تبعية في التعامل معه، بينما الثاني اشتغل بمعيته من أجل استثبات الأمن و الاستقرار.

رفض أمير الريف لدستور سنة 1962، الدستور الذي وضع مشروعه الملك و عرضه على لجنة مكونة من وزراء ينتمون لحزب الاستقلال فوافقت عليه، دستور أتى بعد مفاوضات مع المستعمر الفرنسي، الذي لم يمنح المغرب استقلالا كليا، كان هذا سبب من بين أسباب أخرى، جعل القائد المنفي يرفض هذا الدستور.

بمعرفتنا لهذه الوقائع، نستخلص فورا عدم التوافق في الرؤى بين الشخصيتين، و نقرأ سبب العداء من ولي العهد أنذاك و الملك فيما بعد للريف، و نفهم التدخل الأمني لوقف أحداث سنة 1984 و الذي خلف حسب الشهادات، ما بين 70 و 80 قتيلا بمدينة الناظور وحدها، بينما صرح الوزير الأول كريم العمراني ب 16 قتيلا فقط، و بالحسيمة 4 قتلى، بينما الواقع يقول باستعمال ثلاجات الميناء البحري بسبب كثرة الجثث  في المستشفى.

هذه الأحداث التاريخية المأهولة و المتناولة هنا باقتضاب شديد، إضافة إلى تعريب النظام للدولة و لكل ما يدب في كنفها، و مرورا بحرمان المنطقة من أي تدابير تنموية طيلة عقود متواصلة؛ خلق لدى الساكنة حقدا على السلطة المركزية، حيث وجدوا جهتهم ضمن خارطة المغرب المنسي، و ظلوا في ركود و بلا موارد، حتى كان خيار الهجرة لأوروبا، و التوجه لزراعة الكيف، من بين الخيارات التي ساهمت في انتعاش المنطقة و بنائها تدريجيا بمجهودات أهلها، في محاولة لتناسي الغضبة الملكية في حقها. و بمناسبة ذكر زراعة الكيف، فإذا رجعنا إلى لائحة مطالب المنطقة خلال انتفاضة 1958، و من بين مطالبها 18، سنجد  ضمنها مطلب توسع عملية الحرث لتشمل الريف، هذا المطلب الذي تم إقباره أيضا بسياسة التهميش و العزلة.

اليوم، و بعد مرور حوالي 33 سنة على انتفاضة الخبز، يعيد حراك الريف الذي انطلق إثر مقتل شهيد لقمة العيش السماك : محسن فكري في شهر غشت 2016، بطحنه في شاحنة النفايات، و الذي حتى هذه الأسطر، لا يعلم أحد عن مجريات محاكمة المتورطين في القضية و لا عن ملابسات الأحكام المنطوقة، إذ كان الكتمان رفيق هذا الملف.

توقفت كل المدن عن احتجاجاتها نصرة للشهيد بعد فترة، لكن الريف أبى ذلك، لأن الشهيد من الحسيمة و لأن السيل بلغ الزبى بهذه الفاجعة التي اهتز لها الرأي العام الدولي و المحلي و لأنها أعادت للأذهان سيناريو الحكرة و الظلم و فتحت الجراح من جديد. هذا الحدث الأليم وحد صف أبناء الريف أمام صمت أو رفض عام من كل الأحزاب ومن الحكومة و حتى من فئة من الشعب، تلك التي تستكثر على نفسها ممارسة حق خوله لها الدستور و هو حق الاحتجاج.

حراك الريف قوبل بالتخوين و بتهمة العمالة في خطاب رسمي من الحكومة و أحزابها، و من الإعلام الرسمي المخزني، لكن هذا ليس بغريب، فدائما هذا أقصى ما تتعرض له كل الحركات الاحتجاجية الشعبية. فإذا عدنا لأحداث سنة 1984، فسنجد أن الراحل الحسن الثاني حمَّل مسؤولية ما وقع في الناطور، الحسيمة، القصر الكبير، تطوان ومراكش؛ إلى إيران و إسرائيل! و هذا ما لم تثبته السنوات، بل كانت الانتفاضة وقتها منبثقة من إرادة الشعب، بسبب تضييق الحريات السياسية و الطلابية، و بسبب التأزم الكبير للوضع الاقتصادي الذي عرفه المغرب في عشرية الثمانينيات، نتيجة لفساد خطط التدبير على جميع المستويات. كان من الطبيعي أن ينعكس هذا الوضع على عيش المواطنين، و بالتالي، أن يؤجج الشارع في محاولة للضغط على المسؤولين من أجل إيجاد حلول للأزمة، مما يحيلنا على أن الأيادي الخفية المحركة لم تكن سوى تهمة جاهزة لتبرير التدخل الأمني لقمع صوت الشعب.

المقاربة الأمنية الحالية و العسكرة الخطيرة في التعامل مع حراك الريف أو انتفاضة الريف الجديدة، فضحت عجز الحكومة في التعامل مع الأزمات الشعبية، و فضحت عدم الانسجام بينها و بين أحزاب الائتلاف، بل و كشفت الوجه المقنع لهذه الأخيرة، الوجه المعادي للشعب، هذا الأخير الذي صوت عليها و خول لها كراسي المسؤولية، فيفاجأ ببيان منها يتهمه صراحة بالانفصال و تهديد وحدة البلاد! تهمة ما بعدها تهمة.

هذا البيان كان خطأ فادحا، حيث هيج الفئة المعارضة للحراك و خاضت في اتهامات خطيرة لمؤيديه، وصلت حد التهديد بالتصفية. هذا البيان و ضع نقطة نهاية للثقة الكاذبة التي كانت بين الشعب و ممثليه، و لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يخوفون الساكنة و كل الجهات المتضامنة مع الحراك بسيناريو سوريا و ليبيا، لأنهم غير قابلين لأصواتَ تعارضهم جهرا و تفضح فساد الملفات. فبدل الاستماع لصوت الشعب و العمل شيئا فشيئا على الإصلاح، تُستعمل أساليب التهديد من أجل إخراس الأفواه، و ما الاعتقالات العشوائية و التدخلات القمعية من أجل وقف الاحتجاجات في الريف و بعض المدن الداعمة له، ما هي إلا دليل على رفض استمرار الحراك و الرغبة الجامحة في إيقافه، و على حصر أخباره محليا، بل و عزله فقط في مدينة الحسيمة، بينما هو في الواقع، حراك جهة الريف بأكملها و هذا بمرجعية التاريخ و الجغرافيا.

حراك الريف لم يتوقف و أهله مستمرون، فمن رأى الوحشية التي تمت بها قمع مظاهرة يوم العيد الأسود (عيد الفطر الدموي – الاثنين 26 يونيو 2017) و التي خلفت إصابات عديدة و استنفارا أمنيا في المنطقة، زاد من غضب الشارع و كل المتعاطفين عبر أرجاء المملكة.

و ما منع و قمع المسيرة المليونية ليوم 20 يوليوز 2017، بقرار و بلاغ حكومي رسمي،  تحملت فيه الحكومة مسئوليتها عن الأحداث التي وصفها المشاركون في التظاهرة بالجحيم، و بأن من نجا منها فقد كتب له عمر جديد. هذا القمع المبرمج و المفرط في حق متظاهرين سلميين، زاد من إصرار الكل على التمسك أكثر باستمرارية الحراك حتى تحقيق كافة المطالب، و على رأسها إطلاق سراح كل المعتقلين على خلفيته.

نعم، التهديد بسيناريو سوريا و ليبيا يتكرر، لكن، هل تقبل أنت أن تساوَم على حقوقك بينما تؤدي كل واجباتك كمواطن؟ هل تقبل أن تكون مواطنا بشروط و بنسبة مئوية؟ إذا كنت تقبل، فانظر أين الخلل فيك، و تحمل وضعا تعيشه و أنت من ساهم في بنائه، و لا تتباكى حين تضيق بك الأوضاع، ثم ابلع لسانك، و اترك من له حس المواطنة الكاملة، يعبر عن رفضه للفساد و الظلم و الحكرة.

هذا هو الريف و هذا هو الحراك الذي تم تخوينه، حراك بمطالب اجتماعية، اقتصادية و حقوقية صرفة، ما فتئ يكبر مع كل حالة قمع أمني و مع كل قطرة دم سالت و مع كل مناضل اعتقل، حراك ما فتئ يعري أكثر و أكثر عيوب الأحزاب و الحكومة و كيفية نظرتها السلطوية للشعب، و ما ضاع حق وراءه مطالب، مادامت السلمية وسيلة و مادام الحق محرِّكا، و مادامت القناعة عقيدة.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .