annaf

الجزء الثالث : موعد مع الماضي

ارتقيت السلالم الإسمنتية المبلطة بزليج زجاجي عاكس لأضواء بكل ألوان الطيف منبعثة من جانبي الدرجات المؤدية للطابق الأول . أمامي الدليل الذي يلبس وزرة سوداء بحذاء لونه الأحمر الفاتح يشع لمعانا ويعكس الضوء الخافت المشع من ثريا بالواجهات المقابلة .. لحظة عند معبر تتشعب منه ممرات مفروشة بالسجاد الأحمر تؤدي على الأرجح إلى غرف الفندق وابهاء خاصة باستراحة النزلاء والضيوف .. توقف النادل وأشار علي بيده اليمنى فاسحا ممرا بيني وبينه يفضي إلى صالون واسع به آرائك جلدية فاخرة محادية لجدار يظهر كأنه جدارية كبيرة او لوحة ضخمة جداً من نفائس القرن السادس عشر … خطوت خطواتي الأولى وانا استرق البصر .. قامتي المنتصبة وهيئتي المصطنعة وكأنها قدت من نخلة باسقة جعلت كل من في القاعة غير مهتمين بي إطلاقا كما لو كنت زبونا مألوفا بينهم أو صديق سكر معتاد .. أين المتشردة عائشة ؟ أم أن السؤال الوجيه هو : أين المتشرد قاسم من كل هذا ؟ أخيرا رأيت يدا من أقصى القاعة تشير علي .. على اريكة وثيرة كانت تجلس … دققت النظر .. كانت عائشة ! … لكن ليست عائشة أمس ! كانت امرأة مختلفة تماما … وجهها المجعد لم يعد كذلك…عيناها الذابلتان اصبحتا كقطعتين بلوريتين تشعان فتنة واغراء .صدرها الذي لمحته أمس متهدلا أراه الآن نافرا مستفزا ومغريا جلست على أريكة وثيرة أمامها لحين . وقبل أن ينبس أحدنا ببنت شفة . بدأت استكشف معالم امرأة كانت قد نفرت منها كل حواسي امس .. احسست بصدق انه لابد الآن من سبر اغوار هذا الكائن الذي استطاع ان يغير من نظرتي إليه 180 درجة .. دام ذلك لبضع دقائق عندما جاء النادل بطبق كامل ومكتمل . به قطعتي بيتزا كبيرتين وطابقين من فواكه ومثلجات ثم زجاجة من الفودكا الفاخر في إناء به ثلج… قالت عائشة في أول كلمة افتتحت بها جلستنا التي لا أعلم لها مستقرا .. : بي جوع شديد سألتهم هذه البيتزا سأضيف فواكه ثم بعد أن أضيف كاسين من الويسكي سألتهمك يا حسن

بدأت عائشة بالتهام البيتزا في الوقت الذي امرتني بفعل الشيء نفسه . وقالت لي بالحرف الواحد لا تخف شيئا انت في ضيافتي اليوم … سأحدثك عن كل شيء .. لا تتسرع كل شيء في أوانه .. عائشة في تنورة صيفية وشعر مصفف بعناية مسدل للوراء لا يرى فيه أثر شيب وجهها المستطيل جمل بعناية فائقة حتى لم تكد تبدو عليه آثار التجاعيد التي لاحظتها عليه في المقهى أمس ..شفتاها اليابستان والسوداوان بفعل تدخينها الدائم لم تعودا كذلك بفعل مسحة ماكياج انيقة .. عائشة أمامي امرأة يمكنني أن أقول عنها أنها امرأة من الطبقة الوسطى .. حتى طريقتها في الأكل وفي التحدث جعلتني اجلس أمامها باحترام متزايد … طوال تناولنا البيتزا والفواكه كان مدار حديثنا حول هذا اللقاء وهذه الدعوة المفاجئة التي إلى حد الآن لم أدرك أسبابها .. لما تلفظت باسمها قالت : انت تعرفني إذن ؟ قلت أن هذا الاسم سمعته من زبون في المقهى أمس وليس أكثر .. قالت وسمعت أشياء أخرى ؟ قلت :نعم .. قالت ما سمعته عني صحيح .. عندما كانت تنفض يديها من بقايا الأكل وأخذت تبحث عن ولاعة لإشعال سيجارة وانستون من علبة كانت على الطاولة وبعد أن مدتني بسيجارة ثانية واوقدتها بنفس الولاعة .. سألتها بحدة : من انت ؟؟؟ أخذت نفسا عميقا .. وأرسلت دخان السيجارة عاليا .. ثم ردت وهي تتفحص عيناي … اسمك الأول حسن … لكنه ليس اسمك الحقيقي … لقد بحثت عنك .. وسألت عنك أقاربك وامدوني بكل التفاصيل عنك .. ولا فائدة في الدخول إليها الآن … قلت لها ولماذا كل هذا العناء في البحث عن تفاصيل نكرة مثلي ؟؟ زجاجة الويسكي تهرق باستمرار في كوبين … وكانت في كل إضافة ترفع كاسها لتقارع كاسي وتقول في هستيريا .. نخبك عزيزي … سكتت لحين وانا أنتظر ردا شافيا و وافيا… ثم انطلقت بعدما اوقدت سيجارتها .. ببساطة لقد تتبعت زيارتك الأخيرة لبني ملال وتتبعت المقاهي التي كنت تجلس فيها ولم اقوم يوما عن التحدث إليك والآن جاء وقت الحسم …قاسم تذكر جيدا يوما من أيام أكتوبر 1989 كان الوقت ليلا .. انا حينها لم أبلغ 15 عاما … طردني ابي من المنزل بغير ذنب فعلته .. وكان أخي الأكبر يبحث عني زنقة زنقة.. شارع شارع .. يبحث عني ليقتلني .. وقد حضر ابي على ذلك … هربت من بوعشوش الذي أسكن فيه ولم أجد ملجأ يحضنني أولا لأني بنت وثانيا لأنني ما زلت عذراء … تذكر جيدا .. كانت التاسعة مساء عندما اتيتك وانت في دكان لبيع المواد الغذائية بحي سي سالم …. عائشة تتحدث وانا أعود بذاكرتي 26 سنة إلى الوراء … فعلا انا الان أتذكر.. كل صغيرة وكبيرة عن تلك الليلة الاستثنائية على الأقل بالنسبة لي … قصة قاسم وعائشة في ليلة ليلاء ببني ملال .. ما الذي وقع في تلك الليلة بالذات

بلقاسم ايدير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .